حين يرتفع الصوت في البيت، لا يسمع الطفل الكلمات فقط، بل يشعر أن الأرض تهتز تحت قدميه. هو لا يفهم من على حق ومن على باطل، لكنه يفهم شيئاً واحداً بوضوح: البيت الذي يُفترض أن يكون ملجأه صار ساحة يخشى أن ينكسر فيها شيء لا يُرمَّم.
الخلاف بين الوالدين أمر طبيعي في كل بيت، لكن الخطر لا يكمن في الخلاف نفسه، بل في الطريقة التي يعيشها الطفل من خلف الباب المغلق. حين يُستدعى الطفل ليكون حكماً بين أم وأب، أو حين تُقال أمامه عبارات من نوع: أنت تشبه أباك، أو لولاك لما حدث هذا، فإننا نُحمّله عبئاً أكبر من عمره، ونزرع فيه شعوراً بالذنب لا ذنب له فيه.
تشير أبحاث علم النفس الأسري إلى أن الأطفال الذين ينشؤون وسط نزاعات متكررة بين الوالدين يكونون أكثر عرضة للقلق وانخفاض الثقة بالنفس وصعوبة في تنظيم مشاعرهم، حتى لو لم يكن الخلاف موجهاً إليهم مباشرة. الطفل يلتقط التوتر من نبرة الصوت، من صمت المائدة، من نظرة سريعة، حتى قبل أن يفهم معنى الكلمات.
الحماية تبدأ من وعي بسيط: الطفل ليس طرفاً في الخلاف. لا يُستدعى للتحكيم، ولا يُسأل: من معه الحق، أمك أم أبوك، ولا يُحمّل مسؤولية إصلاح ما بين والديه. وحين يرى الطفل أثر التوتر، لا ننكره عليه، بل نطمئنه بصدق هادئ: هناك خلاف بيننا ككبار، وهذا لا علاقة لك به، ونحن نعمل على حله، وأنت محبوب منا جميعاً.
من الاستراتيجيات العملية التي تصنع فرقاً حقيقياً: الاستماع للطفل دون مقاطعته حين يعبّر عن خوفه أو حزنه، واحتواء مشاعره بدل تصغيرها بعبارات مثل: هذا لا يهمك، أو أنت صغير على هذه الأمور. الطفل يحتاج أن يشعر أن مشاعره مسموعة ومفهومة، لا أن تُلغى. ويُستحسن إشراكه في الحوار بما يناسب عمره، لا في تفاصيل الخلاف، بل في طمأنته بأن مصلحته محفوظة.
ثم إن من أهم ما يحمي الطفل نفسياً هو الحفاظ على استقرار يومه: مواعيد النوم، الدراسة، اللعب، والأشياء الصغيرة التي تعطيه إحساساً بأن الحياة تسير على حالها. فالتوتر داخل البيت يمكن أن يُحتمل إذا بقي للطفل ركن ثابت يستند إليه.
إن حماية الطفل لا تعني إنكار وجود الخلاف، بل تعني أن نجعله يرى الكبار قادرين على الاختلاف دون أن يهدم بعضهم بعضاً، وأن يرى أن البيت، رغم العواصف، يبقى مكاناً آمناً يحتويه.
ومن زاوية إنسانية أعمق، ليست القوة أن لا نتأثر، بل أن نفهم ما يحدث داخلنا ثم نختار رداً أكثر وعياً.
سهام وهب
استشارية نفسية وأسرية |كوتش تربوي وسلوكي
ما الذي تفعله اليوم، في بيتك، لتطمئن طفلك بأنه ليس طرفاً في خلافات الكبار وأن قلبه في أمان؟
#التربية_الإيجابية #الصحة_النفسية_للأطفال #الأسرة #الوعي_التربوي #حماية_الأبناء