هناك شعور غريب يزورنا كثيراً، لا يشبه الغضب الصريح ولا الحزن الواضح.
إنه ذلك الإحساس البارد الذي يجعلك تبتعد عن شخص دون سبب مفهوم، أو تشيح بوجهك عن فكرة لمجرد أن صاحبها نجح.
نحن لا نكره، هذا ما نخبر به أنفسنا. نحن فقط. .. لا نبالي.
لكن هل أنت متأكد أن ما تشعر به هو اللامبالاة حقاً؟
في أعماق النفس البشرية، تختبئ مشاعر لا تعلن عن نفسها بسهولة.
قد تمر بجانب زميل لك في العمل نال ترقية، فتشعر وكأن جداراً زجاجياً ارتفع بينكما فجأة.
أنت لا تغتابه ولا تنتقده، لكنك تجد نفسك تتجنب الحديث معه، وتبرر ذلك بأنكما 'لم تعودا على نفس الموجة'.
في مجتمعنا، حيث تتشابك العلاقات وتتداخل، نتعلم منذ الصغر أن الكراهية شعور قبيح ومعيب. لهذا، نتفنن في إخفائه عن أنفسنا قبل أن نخفيه عن الآخرين، فيلبس ثوب البرود والتجاهل.
تشير أبحاث علم النفس إلى أن اللامبالاة الظاهرة هي واحدة من أكثر آليات الدفاع النفسي تعقيداً.
إنها القناع المثالي الذي ترتديه مشاعر مثل الحسد، أو الغيرة، أو الإحساس بالدونية. العقل، في محاولة لحماية صورتك الذاتية من ألم الاعتراف بهذه المشاعر 'المحرمة'، يقنعك بأن الأمر لا يعنيك من الأساس.
وفي الحياة اليومية المغربية، يتجلى هذا بوضوح في صمت مطبق يخيم فجأة على علاقة نجاح ،
أو تعليق جارح يمر مرور الكرام تحت غطاء 'المزاح الثقيل'،
أو حتى نقد لاذع توجهه لشخص بسبب 'حرصك على مصلحته'. ا
لكراهية هنا لا تصرخ، بل تهمس.
لا تحرق الجسور، بل تضع عليها أسلاكاً شائكة غير مرئية.
لتكتشف ما يختبئ خلف قناعك، أنت بحاجة إلى رحلة وعي ذاتي صادقة وهادئة.
في المرة القادمة التي تشعر فيها بالأنزعاج من سعادة أو نجاح شخص آخر، توقف قليلاً. اسأل نفسك بهدوء:
'ما الذي يهددني أنا في هذا الموقف تحديداً؟ '
لا تكتفِ بالسؤال، بل تتبع الإحساس في جسدك.
هل هو ضيق في الصدر؟
ثقل في الأطراف؟
إن مجرد ملاحظة هذا الإحساس الجسدي هي الخطوة الأولى العملية نحو فك شفرة المشاعر الخفية.
الأهم من ذلك، تقبل الفكرة دون إدانة لنفسك.
قل لنفسك: 'نعم، قد يكون هناك أثر حسد أو غيرة، وهذا طبيعي وإنساني'. هذا القبول هو ما يمنحك القوة لتتحرر من هذا الشعور، لأن ما لا نعترف به لا يمكننا علاجه.
قال الله تعالى:
«وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ» (سورة الفلق: 5).
يذكرنا هذا النص المحكم بأن الحسد شعور إنساني قديم، وبأن خطورته الحقيقية تنبع من عمله الخفي في الظلام.
إن تسمية المشاعر هي الخطوة الأولى للاستعاذة منها وتطهير القلب من أدائها، فالنور إذا دخل القلب طرد كل ظل...
ثمة حكمة أدبية تقول:
'إن الإنسان لا يكره ما يجهله، بل يكره ما يعرفه في أعماقه ويعجز عن أن يكونه'.
هذا المأزق الوجودي العميق يفسر الكثير من وجوه الكراهية الخفية.
قد نوجه ازدراءنا الخفي لشخص امثلك الشجاعة لفعل ما لم نجرؤ عليه، أو لشخص يعكس لنا هشاشة نخشى مواجهتها في أنفسنا.
القناع لا يحمي الآخرين منا، بل يحمينا نحن من رؤية حقيقتنا المجردة.
في هذا المقال المتواضع ، تذكر أن الطريق إلى قلب سليم لا يمر بتجاهل أشواكه، بل باقتلاعها واحدة تلو الأخرى برفق وحكمة.
أصعب المعارك وأعظم الأنتصارات هي التي تخوضها في الخفاء بينك وبين نفسك.
هل سبق لك أن اكتشفت وراء عدم اهتمامك بشخص ما شعوراً آخر مختلفاً تماماً؟
🫵ما هي خطوة الوعي الصغيرة التي يمكنك أن تبدأ بها اليوم؟
🌹حين يبنى الأنسان. .. يعاد تشكيل العالم
#تزكية_النفس #حسن_بالقاضي #أكاديمية_مدى #وعي_ذاتي #ذكاء_عاطفي